تجربة أكاديمية مبتعثة

الكتابة الأكاديمية/ ثالثاً: كيف نبرز أصواتنا أثناء الكتابة

أهلاً وسهلاً بكم من جديد في  الجزء الثالث من المهارة الرابعة من سلسلة مقالات: من تجربة أكاديمية مبتعثة

 

كما وعدتكم فيالمقالة السابقة أن أكمل الحديث عن بقية المهارات المطلوبة في الكتابة الأكاديمية التي تعلمتها في جامعة ليدز البريطانية. فرحلة الكتابة لم تكن سهلة بالنسبة لي، كنت في بعض الأحيان كمن يحفر في الصخر حتى أنجز مهمة كتابة مقالٍ ما خصوصاً إذا كان المطلوب مني البحث أوالكتابة حول موضوع لم أجد بيني وبينه مودة.

لازلت أذكر أستاذة اللغة في المعهد الأكاديمي Kerri Freeman في بداية عام ٢٠١٦ حينما أنهت محاضرتها بتجربتها في الكتابة الأكاديمية قائلة :” غرفتي امتلأت بالأوراق العلمية والمجلات أثناء كتابتي لرسالة الماجستير ولا زلت أحتفظ بها في كراتين كثيرة جداً في إحدى غرف المنزل وقد طلبتُ من أمي ألا تتلفها، لأنني فخورة بإنجازي وأحب أن أشاهد نتيجة هذا الجهد والتعب أمام عيني وخصوصاً بأنني قد حصلت على تقدير Distinction  “وهي تعتبر أعلى سلم الدرجات في التقييم البريطاني وتعني الحصول على درجة ما بين ٧٠ ـ٨٠ من ٩٠”. أقلقتني تجربتها حقيقةً؛ حيث أنني ذلك الوقت لم أبدأ بعد بالماجستير ولكنني لم أتخيل أن يمتلئ بيتي بالأوراق حتى أحصل على هذه الدرجة، لأن منظر الأوراق يصيبني بالإحباط حقيقة، هذا بالإضافة إلى الاستهلاك الشديد للأوراق و بعضها بالفعل لا يستدعي ذلك، فقد تأخذ معلومة سريعة وليست مقتبسة بالحرف منها، فلمَ الطباعة إذاً 😌 لانريد مزيداً من قطع🌲. في الحقيقة، ماذكرته Kerri   لا ينطبق على كل من سيكتب رسالة، ففي كتابتي مثلاً للرسالة احتجت فقط لطباعة بعض الأوراق، و حرصت على وضعها في (ملف ورود/ Word File) خصوصاً تلك المهمة منها مع ذكر مصدرها، وقد وضعت كثير منها في سلة تدوير الأوراق عند انتهاء الغرض منها. أما مراجعي من الكتب فقد كانت متاحة في مكتبة الجامعة فبعضهاOnline  وبعضها استعرته، لذلك احتجت إلى – نظارة مخصصة لحماية بصري من أشعة الجهاز- فقد كنت أقضي أمامه فترة طويلة، وفي نهاية رسالتي حصلت على نفس التقدير الذي حصلت عليه Kerri ولله الحمد بدون زحمة أوراق وكراتين😎.

 مرحلة الكتابة ليست بالسهلة، حيث تتطلب التركيز دائماًعلى الهدف من فكرة البحث،  وأذكر أني كنت أذكر نفسي بين فترة وأخرى بالهدف حتى لا أخرج عن الموضوع الذي أريد الكتابة عنه، خصوصاً إذا قرأت مقالة جميلة تأخذ من وقتي وأسهب في قرائتها. وأيضاً يتطلب منك الترابط في الأفكار ابتداء من كتابة المقدمة ومروراً بالنص الأساسي الذي يعتبر العمود الفقري في البحث وانتهاءً بالخاتمة التي تلخص فيها أهم النتائج التي وصلت لها. فكثيراً ما أشبه مرحلة الكتابة بقطع التركيب أحياناً تضطر أن تخرج عن الخطة المرسومة بزحزحة بعض الفقرات عن موضعها، كأن تجد بعد انتهائك من كتابة فقرة ما بأنها تحتاج إلى تقديم والأخرى تحتاج إلى تأخير وهكذا، ولكن تذكر بأن لذة الانجاز لا يعدلها لذة.

 

ماذا يتطلب منا في مرحلة البدء بالكتابة من مهارات 

بعد أن قمنا باختيار المراجع وجمعها واستيعاب النقاط التي تحتاج إلى استطراد في الكتابة، وأصبحت إلى حد ما جاهزاً، لا ننسى أبداً في كل خطوة من خطوات بحثنا وهي  أول مهارة كتبت عنها سابقاَ وهي التفكير الناقد، لابد أن نجعل هذه المهارة  ملازماً لنا ونسأل نفسنا دائماً؛ لماذا كتبت هذا هنا؟ ولماذا قال ذلك الكاتب هذا الرأي؟ ولماذا هذه النتيجة تدعم ذلك الرأي؟ وكيف؟ ولماذا قررت تقسيم بحثي إلى هذه الفصول؟ وماهي مبررات اختياري لتلك النظرية؟ وهكذا.

من المحاضرات الإضافية التي حضرتها في مكتبة الجامعة التي أجد أنها مناسبة جداً ذكرها في هذا المقال، فقد ألقت Jiani liuمحاضرة عن الكتابة الأكاديمية وعلاقتها بالنقد. ومما ذكرته   Jianiبأن الكتابة الناقدة تتطلب ما يلي: 
أن تقرأ بتوسع وبكثرة عن موضوعك مع الاستمرار بطرح الأسئلة الناقدة، مع تسجيل ما توصلت إليه من المعاني والأفكار من خلال القراءة في دفتر الملاحظات. وسأضع لكم صور من محاضرتها لأنها قيمة ومفيدة في هذا الجانب لمن أراد أن يستفيد منها. 

 
 

 

مثلاً حسب الدائرة الموضحة أعلاة في الصورة السابقة اجعل هذه الحلقة نصب أعيننا خلال الكتابة. لأنها ستدلنا على كيفية أن تكون ناقدين في كتاباتنا، سأوضح ذلك:

بداية من Description وهو وصف البحث، علينا أن نسأل نفسنا عدة أسئلة. مثل: ما هو السؤال الذي سأطرحه في البحث؟ ولماذا هذه المشكلة بالتحديد ينبغي أن أبحث عنها؟ هل سأعتمد على نظرية معينة ابني عليها بحثي؟ ولماذا اخترتها؟ ماهي القضية الجدلية التي سأناقشها بشكل عام؟ وهل هي واضحة الشرح؟ وهل الأسباب لك مقنعة في الكتابة والخوض فيها حتى يفهمها المشرف أو غيره؟ وهل أعددت الأدلة على ذلك؟ وإن كان هناك ثمة معايير معينة من قبل الأستاذ أو الجامعة في الأداء يجب الرجوع إليها وقرائتها بتأمل قبل كتابة البحث.

 
أما بخصوص Analysis وهو تحليل البحث، كذلك يجب أن نسأل نفسنا مايلي: هل استخدمت مصادر ومراجع أكاديمية مناسبة؟ ماذا عن الأدلة التي سأضيفها هل هي متعلقة بالموضوع وموثوقة؟ وهل يوجد أمر أكدته في بحثي أو مقالي لم يُدعم بدليل؟ كيف كانت طريقة اقناعي في إثبات حجتي؟ وإن لم تكن مقنعة لماذا؟ وكيف أستطيع إثباتها أكثر؟ هل هناك منطق في إثبات الحجج وهل هي واضحة ومترابطة؟ كيف لاحظت وأضفت وجهات النظر المختلفة عن وجهة نظري؟ هل لغة  الكتابة توحي بالاندفاع لإثبات وجهة نظري؟ ماهي الأشياء التي قمت بحذفها ولماذا؟ إن احتجت لتبرير ذلك بالتأكيد. 

واخيراً 
Evaluation أي تقييم عملنا، فنقوم بتقييم عملنا بنفسنا كذلك بعدة أسئلة: هل أجبت على السؤال المطلوب؟ هل وضحت نقاط القوة والضعف في وجهات النظر المختلفة أو النظريات؟ هل ختمت بنهاية منطقية؟ هل وضعت علاقة بين المصادر؟ هل نوعت في المصادر؟ هل وضحت رأيي في الحجج وكما يقال صوتي في البحث هل هو واضح؟
 


وأيضاً من النقاط التي أجدها مهمة عند كتابة البحث
أن نكون في كتابتنا Objective and Cautious لأنك سنتكتب أمراً جاداً فيجب علينا أن تكون موضوعين وحذرين في أفكاركنا وكلماتنا من استخدام العاطفة وأن نكون بعيدين عن التعصب لرأي معين أو في الحكم على رأي بأمر معين، و من المهم جداً أن نربط أفكرنا بالدليل أو حجة. كذلك نتجنب أسلوب الكتابة الواثقين فيها من صحة المعلومات ” لأنه في النهاية هذا ما وصل إليه اجتهادنا  “والعلم عند الله” خصوصاً في مجال ” العلوم الإنسانية “، كذلك نتجنب الإفراط في التعميم. ونكون Preciseأي دقيقين في استخدام الكلمات وأيضاً دقيقين حتى عند اقتباسنا لآراء الآخرين .

أما بخصوص Your Voice in Academic Writing  وهو صوتنا (رأينا)  ككتاب أكاديمين فالذي توصلنا إليه كباحثين لابد أن يظهر بجلاء في بحثنا، وهي في الأبحاث على قسمين: صوت (رأي) مباشر Direct Voice و صوت (رأي) غير مباشر Indirect Voiceفرأينا (صوتنا) المباشر كأن نوضح للقارئ سبب اختيارنا لموضوع البحث و ماهي أقسام البحث أو ربطنا للجمل بكلمات وصفات تعبيرية وغيرها من بنات أفكارنا. أما صوتنا (رأينا) غير المباشر Indirect Voiceفهو الاستعانة بآراء الأخرين في بحثنا، والتي لاتُعد رأينا المباشر ولكنها من اختيارنا وانتقائنا، فالاقتباسات طبعاً هدفها هو أنها تدعم رأيك. 

* ملحوظة: في الغالب يؤكد المشرف على عدم الإكثار من صوت الكاتب غير المباشر لأنها من المفترض أن نقود نحن أراء الآخرين لا أن تقودنا أرائهم.  

ومن أجمل التوضيحات في هذه النقطة ماشرحته كذلك أستاذة في المعهد الأكاديمي الكاتبة Jeanne Godfrey في كتابها الذي أنصح باقتنائه اسمه Writing For University ، ففي هذه الصورة شرحت حجم صوتنا المباشر في المقال وصوت غيرك عن طريق الرسومات و كيفية توازنها في البحث أو المقال. 

 
 
 

وأخيراً مما يحضرني من المهارات المفيدة التي تعلمتها كذلك في الكتابة هي‫ أن نحرص على استعمال الكلمات البسيطة والمفهومة واللغة السهلة والجمل المباشرة Straightforward والابتعاد عن الكلمات الغامضة والمعقدة التي قد يندر استخدامها حتى عند أهل اللغة أنفسهم أو قد تتطلب سياقاً معيناً لاستخدامها، لذلك كانوا دائماً يحرصوننا الأساتذة على البساطة في الكتابة لأجل توصيل المعلومة بطريقة واضحة ومباشرة.

 
بعض المقالات التي وجدتها قد تفيدنا عند البدء في كتابة البحث

موقع د عبد الرحمن مدونة البحث العلمي التي سبق ووضحت ذلك في مقالاتي السابقة فلن أستطيع حقيقة أن أعبر عن مدى امتناني لهذا الموقع فقد فادني كثيراً،  وضح د. عبدالرحمن في هذاالمقالبالتفصيل باللغة العربية عن برنامج الكتابة اسمه  Scrivene  

وكذلك مقالة رائعة له عن برنامج آخر سيساعدك في حفظ المعلومات حتى يسهل الرجوع إليها تجدونها هناأما هذه المقالة البسيطة من موقع الجامعة عن الكتابة الأكاديمية لعلها تفيدكم.

 
 
وأخيراً سأكمل في المقالة القادمة القسم الأخير من مهارات الكتابة الأكاديمية بإذن الله.
 

والسلام 🌹

 

سحر الشهري 

سحر الشهري

سحرهي أم لأربعة أطفال تعلمت منهم أكثر بكثير مما علمتهم.
شغوفة بالقراءة والسفر واكتشاف الثقافات المختلفة والتصوير التوثيقي .
قصتي باختصار: من صحراء الرياض العاصمة إلى جدة وهوائها البحري، ثم إلى "النقلة النوعية" وهي رحلة الإبتعاث التي ابتدأت من فانكوفر الكندية عام ٢٠٠٩ ثم ليدز البريطانية عام ٢٠١٧ وحالياً بملبورن الأسترالية .
قد تخللها الكثير من االتنقل التي كونت جزء من قصة حياة سحر.
الهدف من التدوين:
حرصت عبر هذه المدونة على عدة أمور من أهمها هو توثيق التجارب التي استفدت منها سواء كانت علمية أو غيرها ونشرها للآخرين حتى نتناقش فيها ويكمل بعضنا البعض باقتراحاته وآرائه .
مؤمنة جداً بمساعدة من يريد المساعدة لأني باختصار ممتنة لكل شخص وقف معي في ظروفي المختلفة ومد لي يد العون سواء كانت باستشارة أو معلومة.

مع كل الحب والمودة

https://sahar2.com

2 thoughts on “الكتابة الأكاديمية/ ثالثاً: كيف نبرز أصواتنا أثناء الكتابة

  1. مبدعه ومتألقه ف طرحك كما هي عادتك .. اسأل الله لك التوفيق ، بانتظار ابداعاتك القادمه باذن الله
    تحياتي لك، ابنة عمك

  2. قضيت وقتاً ممتعاً في الإطلاع على هذه التجربة التي قامت بها الإبنة الغالية سحر وألفيتها تجربة رائعة لمن أراد الغوص في بحار المعرفة واستغلال الزمن فيما يعود عليه بالفائدة ،
    حمدت الله كثيراً أن رأيت ابنتي أم محمد بهذا المستوى المرموق من الثقافة .
    لكِ مني بنيتي خالص الدعاء بأن يرفع الله مقامك في الدنيا والآخرة وأن يصلح لك الحال والمال والذرية، وأن يجعلك قدوة للخير أينما كنتِ، وأن ينفع المسلمين بعلمك وقلمك .
    آمين.
    والدك الذي يتمنى لك حياة سعيده🌹

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back To Top